الصالحي الشامي

299

سبل الهدى والرشاد

عبيد وراء أبي بكر إلى السنح فأعلمه بموت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلما بلغ أبو بكر الخبر وهو بالسنح أقبل على فرس حتى نزل على باب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعمر يكلم الناس فلم يلتفت إلى شئ حتى دخل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بيت عائشة ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - مسجى في ناحية البيت عليه برد حبرة . زاد أبو الربيع وأبو اليمن بن عساكر في ( إتحاف الزائر ) وعيناه تهملان وزفراته تتردد في صدره وعصصه ترتفع كقطع الحرة ، وهو في ذلك جلد العقل والمقالة حتى دخل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكشف عن وجهه ومسح وقبل بين عينيه ، وجعل يبكي ويقول : بأبي أنت وأمي طبت حيا وميتا ، وانقطع لموتك ما لم ينقطع لموت أحد من الأنبياء ، فعظمت عن الصفة ، وجللت عن البكاء وحصصت حتى صرت مسلاة وعممت حتى صرت فينا سواء ، ولولا أن موتك كان اختبارا لجدنا لموتك بالنفوس ، ولولا أنك نهيت عن البكاء عليك ما الشؤون ، فأما ما لا نستطيع تقيه ففيه كمد وإدناف يتخالفان لا يبرحان ، اللهم فأبلغه عنا ، اذكرنا يا محمد عند ربك ولتكن من جاء لك فلولا ما خلقت من السكينة لم تعم لما خلقت من الوحشة ، اللهم أبلغ نبيك عنا واحفظه ميتا ثم صرخ . انتهى . وفي حديث عائشة عند ابن سعد وأبي يعلى وأحمد برجال ثقات أن أبا بكر لما رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : إنا لله وإنا إليه راجعون ، مات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم تحول من قبل رأسه فقال : وا نبياه ، ثم حدر فمه وقبل وجهه ثم [ قال : وا صفياه ثم ] ( 1 ) رفع رأسه وحدر فمه وقبل جبهته وقال : وا خليلاه ، مات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفي حديث عائشة عند أبي يعلى وأحمد فقال : كيف ترين ؟ قالت : غشي عليه فدنا منه فكشف عن وجهه فقال : يا غشياه ما أكون هذا الغشي ، ثم كشف عن وجهه فعرف الموت فقال : إنا لله وإنا إليه راجعون ثم بكى قالت عائشة : فقلت في سبيل الله انقطاع الوحي ودخول جبريل بيتي ، ثم وضع يديه على صدغيه ووضع فاه على جبهته فبكى حتى سالت دموعه على وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفي لفظ ثم أقبل عليه فقبله ثم قال : بأبي وأمي أما الموته التي كتب الله عليك فقد متها فلن يصيبك بعدها موتة أبدا ، ثم رد البرد على وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم خرج إلى الناس . زاد أبو الربيع : وهم في خطبهم غمراتهم وشديد سكراتهم ، ثم خرج عمر يكلم الناس فقال : على رسلك يا عمر أنصت ثلاث مرات فأبى إلا أن يتكلم ، فلما رآه أبو بكر لا ينصت أقبل على الناس ، فلما سمع الناس كلامه أقبلوا عليه وتركوا عمر ، وصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه .

--> ( 1 ) ما بين المعكوفين سقط في ب .